أبو الليث السمرقندي
309
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 4 ] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 4 ) قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم تجهز في سنة ست في ذي القعدة ، فخرج إلى العمرة معه ألف وستمائة رجل ، ويقال : ألف وأربعمائة ، وساق سبعين بدنة . فبلغ قريشا خبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، فبعثوا خالد بن الوليد في عصابة منهم ليصدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه عن البيت ؟ فلما نزل النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعسفان قال : « إنّ قريشا جعلت لي عيونا ، فمن يدلّني على طريق الثّنيّة » . فقال رجل من المسلمين : أنا يا رسول اللّه فخرج بهم ، وانتهوا إلى الثنية ، وصعدوا فيها . فلما هبط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الثنية ، بركت ناقته القصواء ، فلم تنبعث ، فزجرها ، وزجرها الناس ، وضربوها ، فلم تنبعث . فقال الناس : خلأت القصواء أي : صارت حرونا . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ما خلأت القصواء ، وما كان ذلك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل » ، ثم قال : « لا يسألونني فيما بيني وبينهم شيئا يعظّمون به حرماتهم ، إلّا قبلته منهم » ثم زجرها ، فانبعثت . فلما نزلوا على القليب بالحديبية ، لم يكن في البئر إلا ماء وشيك . يعني : قليل متغير ، فاستسقوا فلم يبق في البئر ماء . فقال : من رجل يهيج لنا الماء ؟ فقال رجل : أنا يا رسول اللّه . فقال : « ما اسمك » ؟ قال : مرة . فقال : « تأخر » ، فقال رجل آخر أنا يا رسول اللّه ، فقال : « ما اسمك ؟ » . قال : ناجيه . فقال : « أنزل » . فنزل ، فأعطاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مشقصا ، فبحت به البئر ، فنبع الماء . وقال في رواية عبد اللّه بن دينار ، عن ابن عمر قال : كان ماء الحديبية قد قل . فأتى بدلو من ماء ، فتوضأ منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وجعل منه في فيه ، ثم مجه في الدلو ، ثم أمرهم بأن يجعلوه في البئر ، ففعلوا ، فامتلأت البئر حتى كادوا يغرقون منها وهم جلوس . ففزع المشركون لنزول النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه في الحديبية ، فجاؤوه ، واستعدوا ليصدوه . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لعمر : « يا عمر اذهب فاستأذن لنا عليهم حتّى نعتمر ، ويخلوا بيني وبين البيت ، لا أريد منهم غيره » . فقال عمر : يا رسول اللّه ليس ثم أحد من قومي يمنعني . فأرسل عثمان ، فإن هناك ناسا من بنى عمه ، يمنعونه ، فذهب عثمان ، فتلقاه أبان بن سعيد بن العاص ، فقال له : أجرني من قومك حتى أبلغ رسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأجاره ، وحمله على فرسه وراءه ، ودخل به مكة فاستأذن عثمان قريشا ، فأبوا أن يأذنوا له . فقال : أبان لعثمان ! طف أنت إن شئت . فقال : لما كنت لأتقدم بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وبقي هناك ثلاثة أيام ، فذكر للنبي صلّى اللّه عليه وسلم أن عثمان قد قتل . فقال لأصحابه : بايعوني على الموت . فجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلم تحت الشجرة ، فبايعه أصحابه على الموت ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّي أخاف ألا يدرك عثمان هذه البيعة ، فأنا أبايع له يميني